كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال تعالى: {قل عسى أن يكون قريبًا} قال المفسرون: عسى من الله واجب ومعناه أنه قريب إذ كل آت قريب وأمال متى وعسى حمزة والكسائي إمالة محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح وقوله تعالى: {يوم يدعوكم} بدل من قريبًا والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم، أي: بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة كما قال تعالى: {يوم ينادي المنادي من مكان قريب} [ق].
روي أنّ إسرافيل ينادي أيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرّقة عودي كما كنتِ. {فتستجيبون} أي: تجيبون والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه وهي الإجابة إلا أنّ الاستجابة تقتضي طلب الموافقة فهي آكد من الإجابة واختلف في معنى قوله تعالى: {بحمده} فقال ابن عباس: بأمره. وقال سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون سبحانك اللهمّ وبحمدك فيحمدونه حين لا ينفعهم الحمد. وقال قتادة: بمعرفته وطاعته. وقال أهل المعاني: تستجيبون بحمده، أي: تستجيبون حامدين كما تقول جاء بغضبه، أي: جاء غضبان وركب الأمير بسيفه، أي: وسيفه معه. وقال الزمخشريّ: بحمده حال منهم، أي: حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيأبى ويمتنع ستركبه وأنت حامد شاكر يعني أنك تحمل عليه وتقسر عليه قسرًا حتى إنك تلين لين المستميح الراغب فيه الحامد عليه {وتظنون أن} أي: ما {لبثتم إلا قليلًا} أي: مع استجابتكم وطول لبثكم وشدّة ما ترون من الهول فعندها تستقصرون مدّة لبثكم في الدنيا وتحسبونها يومًا أو بعض يوم.
وعن قتادة تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة وقال الحسن: معناه تقريب وقت البعث فكأنك بالدنيا ولم تكن وبالآخرة ولم تزل فهذا يرجع إلى استقلال مدّة اللبث في الدنيا وقيل المراد استقلال مدّة لبثهم في برزخ القيامة لأنه لما كان عاقبة أمرهم الدخول في النار استقصروا لبثهم في برزخ القيامة. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند التاء المثناة والباقون بالإدغام. ولما ذكر تعالى الحجة اليقينية في صحة المعاد وهو قوله تعالى: {قل الذي فطركم أوّل مرّة} قال تعالى: {وقل} يا محمد {لعبادي} أي: المؤمنين لأنّ لفظ العباد في أكثر آيات القرآن مختص بالمؤمنين قال تعالى: {فبشر عبادي الذين يستمعون القول} [الزمر] وقال تعالى: {فادخلي في عبادي} [الفجر] وقال تعالى: {عينًا يشرب بها عباد الله} [الإنسان] {يقولوا} للكفار الذين كانوا يؤذونهم الكلمة {التي هي أحسن} ولا يكافؤهم على سفههم بل يقولون يهديكم الله وكان هذا قبل الأذن بالقتال وقيل نزلت في عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفار فأمره الله تعالى بالعفو وقيل أمرالمؤمنين بأن يقولوا ويفعلوا الخلة التي هي أحسن وقيل الأحسن قول لا إلى إلا الله، ثم علل بقوله تعالى: {إن الشيطان} أي: البعيد عن الرحمة المحترق باللعنة {ينزغ بينهم} أي: يفسد ويغري بعضهم على بعض ويوسوس لهم لتقع بينهم المشارّة والمشاقة وأصل النزغ الطعن وهم غير معصومين فيوشك أن يأتوا بما لا يناسب الحال. ثم علل تعالى هذه العلة بقوله تعالى: {إنّ الشيطان كان} أي: في قديم الزمان وأصل الطبع كونًا هو مجبول عليه {للإنسان عدوًّا} أي: بليغ العداوة {مبينًا} أي: بين العداوة، ثم فسر تعالى التي هي أحسن مما علمهم ربهم من النصفة بقوله تعالى: {ربكم أعلم بكم} فعلم أنّ قوله تعالى: {إن الشيطان} إلى آخره جملة اعتراضية بين المفسر والمفسر وسكن أبو عمرو الميم وأخفاها عند الباء بخلاف عنه وكذا أعلم بمن ثم استأنف تعالى: {إن يشأ} أي: رحمتكم {يرحمكم} أي: بهدايتكم {أو إن يشأ} تعذيبكم {يعذبكم} أي: بإضلالكم فلا تحتقروا أيها المؤمنون المشركين فتقطعوا بأنهم من أهل النار فتعيروهم بذلك، فإنه يجرّ إلى غيظ القلوب فلا فائدة لأنّ الخاتمة مجهولة ولا تتجاوزوا فيهم ما أمركم الله به من قول وفعل. ثم رقى الله الخطاب إلى أعلى الخلق، ورأس أهل الشرع ليكون من دونه أولى بالمعنى منه فقال تعالى: {وما أرسلناك} أي: مع ما لنا من العظمة الغنية عن كل شيء {عليهم وكيلا} أي: حفيظًا وكفيلًا تقسرهم على ما يرضي الله، وإنما أرسلناك على حسب ما نأمرك به بشيرًا ونذيرًا فدارهم ومر أصحابك بمداراتهم، وقد مرّ أنّ هذا قبل الإذن بالقتال. ولما أمرهم بأن ينسبوا الأعلمية بهم إليه تعالى أخبر بما هو أعم من ذلك قاصرًا الخطاب على أعلم خلقه بقوله تعالى: {وربك} أي: المحسن إليك بأن جعلك أكمل الخلق {أعلم بمن في السموات والأرض} فعلمه غير مقصور عليكم بل متعلق بجميع الموجودات والمعدومات، ومتعلق بجميع ذات الأرضين والسموات، فيعلم تعالى حال كل أحد، ويعلم ما يليق به من المفاسد والمصالح، ويعلم اختلاف صورهم وأديانهم وأخلاقهم وأحوالهم وجميع ما هم عليه سبحانه وتعالى، لا تخفى عليه خافية، فيفضل بعض الناس على بعض على حسب إحاطة علمه وشمول قدرته، وبعض النبيين على بعض كما قال تعالى: {ولقد فضلنا} بما لنا من العظمة {بعض النبيين} سواء كانوا رسلًا أم لا {على بعض} بعد أن جعلنا لكل فضلًا لتقوى كل منهم وإحسانه، فخصصنا كلًا منهم بفضيلة كموسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، ومحمد صلى الله عليه وسلم بالإسراء، فلا ينكر أحد من العرب، أو بني إسرائيل أو غيرهم، تفضيلنا لهذا النبي الكريم، الذي صدرنا السورة بتفضيله على جميع الخلائق، فإذا نفعل ما نشاء بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل. وقرأ نافع بالهمزة والباقون بالياء، وورش على أصله يمد على الهمزة ويوسط ويقصر. {وآتينا} موسى التوراة و{داود زبورًا} وعيسى الإنجيل، فلم يبعد أيضًا أن نؤتي محمدًا صلى الله عليه وسلم القرآن، ولم يبعد أن نفضله على جميع الخلق. فإن قيل: ما السبب في تخصيص داود عليه السلام بالذكر هنا؟
أجيب: بأوجه الأول أنه تعالى ذكر أنه فضل بعض النبيين على بعض، ثم قال: {وآتينا داود زبورًا} يعني أنّ داود أوتي ملكًا عظيمًا، ثم إنه تعالى لم يذكر ما آتاه من الملك، وذكر ما آتاه من الكتاب تنبيهًا على أنّ الفضل الذي ذكره قبل ذلك المراد منه التفضيل بالعلم والدين لا بالمال. الثاني: أنه تعالى كتب في الزبور أنّ محمدًا خاتم الأنبياء، وأنّ أمّة محمد خير الأمم قال تعالى: {ولقدكتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء] وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأمّته.
فإن قيل: هلا عرفه كقوله: {ولقد كتبنا في الزبور}؟
أجيب: بأنّ التنكير هنا يدل على تعظيم حاله؛ لأنّ الزبور عبارة عن المزبور، فكان معناه الكتاب، وكان معنى التنكير أنه كامل في كونه كتابًا، ويجوز أنّ يكون زبورًا علمًا، فإذا دخلت عليه أل كقوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور} كانت للمح الأصل كعباس، والعباس وفضل والفضل الثالث أنّ كفار قريش ماكانوا أهل نظر وجدل بل كانوا يرجعون إلى اليهود في إستخراج الشبهات واليهود كانوا يقولون أنّه لا نبيّ بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة فنقض الله عليهم كلامهم بإنزال الزبور على داود.
وروى البخاري في التفسير عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه لتسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ» أي: القرآن قال البقاعي: ومن أعظم المناسبات لتخصيص داود عليه السلام وزبوره بالذكر هنا، ذكر البعث الذي هذا مقامه فيه صريحًا، وكذا ذكر النار مع خلو التوراة عن ذلك. أمّا البعث فلا ذكر له فيها أصلًا، وأمّا النار فلم يذكر شيء مما يدل عليها إلا الجحيم في موضع واحد، وأمّا الزبور فذكر فيه النار والهاوية والجحيم في غير موضع انتهى. وقرأ حمزة بضم الزاي والباقون بالفتح، واختلف في سبب نزول قوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم} أنهم آلهة {من دونه} أي: من سواه كالملائكة وعزير والمسيح. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي بضم اللام من قل وكسرها عاصم وحمزة كل هذا في حال الوصل، وأما الابتداء فالجميع ابتدؤوا بهمزة مضمومة {فلا يملكون كشف الضر} أي: البؤس الذي من شأنه أن يمرض الجسم كله {عنكم} حتى لا يدعوا شيئًا منه {ولا تحويلًا} له إلى غيركم. فقال ابن عباس: إنها نزلت في الذين عبدوا المسيح وعزيرًا والملائكة والشمس والقمر والنجوم، وقيل: إنّ قومًا عبدوا نفرًامن الجنّ فأسلم النفر من الجن وبقي أولئك القوم متمسكين بعبادتهم فنزلت فيهم هذه الآية. وقيل إنّ المشركين أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف، فاستغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليدعوا لهم فنزل {قل} للمشركين {ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دونه} [الأنعام] وليس المراد الأصنام لأنه تعالى قال في وصفهم: {أولئك الذين يدعون} أي: يدعونهم الكفار ويتألهونهم {يبتغون} أي: يطلبون طلبًا عظيمًا {إلى ربهم} أي: المحسن إليهم {الوسيلة} أي: المنزلة والدرجة والقربة لأعمالهم الصالحة، وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام البتة. وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم الميم. تنبيه: أولئك مبتدأ وخبره يبتغون ويكون الموصول نعتًا أو بيانًا أو بدلًا، والمراد باسم الإشارة الأنبياء أو الملائكة الذين عبدوا من دون الله والمراد بالواو والعباد لهم، ويكون العائد على الذين محذوفًا أو المعنى أولئك الأنبياء الذين يدعونهم المشركون لكشف ضرّهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة {أيهم أقرب} أي: يتسابقون بالأعمال مسابقة من يطلب كل منهم أن يكون إليه أقرب ولديه أفضل {ويرجون رحمته} رغبة فيما عنده {ويخافون عذابه} فهم كغيرهم موصوفون بالعجز والحاجة فكيف يدعونهم آلهة، وقيل معناه أن الكفار ينظرون أيهم أقرب إلى الله تعالى فيتوسلون به. ثم علل خوفهم بأمر عامّ بقوله تعالى: {أنّ عذاب ربك} أي: المحسن إليك برفع انتقام الاستئصال منه عن أمّتك {كان} أي: كونًا لازمًا {محذورًا} جديرًا بأن يحذر لكل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل، فضلًا عن غيرهم لما شوهد من إهلاكه للقرون الماضية ولما قال تعالى: {إنّ عذاب ربك كان محذورًا} بين بقوله تعالى: {وإن} أي: وما {من قرية إلا ونحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابًا شديدًا} إنَّ كل قرية، أي: أهلها لابد وأن يرجع حالهم إلى أحد أمرين: إما الإهلاك بالموت والإستئصال، وإمّا العذاب بالقتل وأنواع البلاء. وقال مقاتل: أمّا الصالحة فبالموت وأمّا الطالحة فبالعذاب. وقال عبد الله بن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله تعالى في هلاكها. {كان ذلك} أي: الأمر العظيم {في الكتاب} أي: اللوح المحفوظ {مسطورًا} أي: مكتوبًا. قال عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ أول ما خلق الله القلم فقال اكتب فقال وما أكتب قال: القدر ما كان وما هو كائن إلى أبد الأبد» أخرجه الترمذي. ولما كان كفار قريش قد تكرر اقتراحهم للآيات وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على إيمان كل أحد يحب أن الله تعالى يجيبهم إلى مقترحهم طمعًا في إيمانهم فأجاب الله تعالى بقوله: {وما منعنا} أي: على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء ولا يمنعها مانع {أن نرسل بالآيات} أي: التي اقترحوها كما حكى الله تعالى عنهم ذلك في قولهم {فأتنا بآية كما أرسل الأوّلون} [الأنبياء] وقال آخرون {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا} [الإسراء] الآيات. وقال سعيد بن جبير: أنهم قالوا إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء منهم من سخرت له الريح ومنهم من أحيا الموتى فأتنا بشيء من هذه المعجزات فكان كأنه لا آيات عندهم سوى ذلك {إلا} علمنا في عالم الشهادة بما وقع من {أن كذب بها} أي: المقترحات {الأولون} وعلمنا في عالم الغيب أنّ هؤلاء مثل الأوّلين أن الشقّي منهم لا يؤمن بالمقترحات كما لم يؤمن بغيرها وأنه يقول فيها ما قال في غيرها من أنها سحر ونحو ذلك، والسعيد لا يحتاج في إيمانه إليها فكم أجبنا أمّة إلى مقترحها فما زاد ذلك أهل الضلالة منهم إلا كفرًا فأخذناهم لأنّ سنتنا جرت أنَّا لا نمهل بعد الإجابة إلى المقترحات من كذب بها. قال ابن عباس: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن ينحي الجبال عنهم ليزرعوا تلك الأراضي فطلب صلى الله عليه وسلم ذلك من الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط إن لم يؤمنوا أهلكتهم فقال صلى الله عليه وسلم: «لا أريد ذلك» فتفضل الله تعالى برحمته هذه الأمة وتشريفها على الأمم السالفة بعدم استئصالها لما يخرج من أصلاب كفرتها من خلص عباده، فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم فقال جلّ ذكره: {بل الساعة موعدها والساعة أدهى وأمرّ} [القمر].
ثم ذكر تعالى من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت إليهم فأهلكوا ما ذكره تعالى بقوله تعالى: {آتينا ثمود الناقة} حالة كونها {مبصرة} أي: مضيئة بينة جديرة بأن يستبصر بها كل من شاهدها فيستدل بها على صدق قول ذلك النبيّ {فظلموا بها} أي: ظلموا أنفسهم بتكذيبها. وقال ابن قتيبة: جحدوا بأنها من الله تعالى فأهلكناهم فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى، وخص تعالى هذه الآية بالذكر لأنّ آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم. ثم قال تعالى: {وما نرسل بالآيات} أي: المقترحات وغيرها {إلا تخويفًا} للمرسل إليهم بها فإن خافوا نجوا وإلا هلكوا بعذاب الاستئصال من كذب بالآيات المقترحات وبعذاب الآخرة من كذب بغيرها كالمعجزات وآيات القرآن فأمر من بعث إليهم مؤخرًا إلى يوم القيامة.
فإن قيل: المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدّعى فكيف حصل المقصود من إظهارها في التخويف؟
أجيب: بأنه لما كان هو الحامل والغالب على التصديق فكأنه هو المقصود ولما طلب القوم من النبي صلى الله عليه وسلم تلك الآيات المقترحات وأجاب الله تعالى بأنّ إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سببًا لجراءة أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا له لو كنت رسولًا حقًا من عند الله لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء، فعند هذا قوى الله تعالى قلبه وبين له أنه ينصره ويؤيده فقال تعالى: {و} اذكر يا أشرف الخلق {إذ قلنا لك إن ربك} أي: المتفضل بالإحسان إليك بالرفق لأمتّك {أحاط بالناس} علمًا وقدرة فهم في قبضته وقدرته لا يقدرون على الخروج من مشيئته فلا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره، وهو حافظك ومانعك منهم فلا تهتم باقتراحهم، وامض فيما أمرك به من تبليغ الرسالة فهو ينصرك ويقوّيك على ذلك كما وعدك بقوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} [المائدة].
وقيل: إن المراد بالناس أهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم. روي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه كان يدعو ويقول: «اللهمّ إني أسألك عهدك ووعدك ثم خرج وعليه الدرع يحرّض الناس ويقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} [القمر]» وكان صلى الله عليه وسلم يقول حين ورد بدرًا: «والله كأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يومئ إلى الأرض ويقول هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان» فتسامعت قريش بما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم عطف تعالى على {وما نرسل بالآيات} قوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} أي: التي شاهدتها ليلة الإسراء {إلا فتنة} أي: امتحانًا واختبارًا {للناس} لأنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر لهم قصة الإسراء كذبوه وكفر به كثير ممن كان قد آمن به وازداد المخلصون إيمانًا فلهذا السبب كانت امتحانًا.